حيدر حب الله
250
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
فهو الذي يكون مورداً للآية الكريمة « 1 » . وكأنّ المراد بهذا الاحتمال تفسير عدم العلم بالجهالة التي فسّرت بالسفاهة . ولعلّ التفسير الأقرب لقوله : ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ، أي بلا بيّنة ، فيكون المعنى : إنّ هذا الشخص يضلّ الناس ويُبعدهم عن طريق الله تعالى دون أن يملك فيما يفعله بينةً أو معطى يُثبت ما يراه ، فليس المراد من عدم العلم هنا أنّه يُضلّ وهو جاهل بأنّه يُضلّ ، حتى نتكلّم عن تكليف الجاهل وعن قبح عقابه ، وإنّما المراد أنه يُضل دون أن يكون على علم ومعرفة وبيّنة بالأمر الذي يُضلّ عنه أو إليه . وهذا التفسير الذي قلناه ، وإن التقى في النهاية مع التفسير الثاني الذي طرحه بعض المعاصرين لكنّه يختلف عنه في كيفية التخريج وشرح المسألة . ويشهد لحصيلة الفهم الجامع بين ما قلناه وما ذكره بعض المعاصرين ، استخدامُ هذا التعبير في القرآن عدّة مرات ، قال تعالى : ( وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ) ( الانعام : 119 ) ، وقال سبحانه : ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ) ( الأنعام : 140 ) ، وقال سبحانه : ( ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ( الأنعام : 143 - 144 ) ، وقال تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
--> ( 1 ) المصدر نفسه : 68 - 69 .